جفرا نيوز : أخبار الأردن | هب الهوا يا ياسين..يا عذاب الدراسين
شريط الأخبار
الملك يعود إلى أرض الوطن إتصال هاتفي بين هنية والطراونة " حامي المقدسات " .. لقب جديد للملك أصرّ عليه آردوغان المعايطة : للمرأة دوراً أساسياً في إنجاح اللامركزية إجازة أول رسالة دكتوراه في علم الحاسوب من جامعة حكومية الملك يلتقي رئيسي وزراء ماليزيا والباكستان على هامش أعمال قمة اسطنبول بمقترح من عطية .. البرلمان العربي يثمن الوصاية الهاشمية على المقدسات اطلاق خدمة استصدار شهادة عدم المحكومية الالكترونية هلسة يتفقد مشاريع المدارس بلواء الرصيفة القمة الاسلامية تعلن اعترافها بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين مباشرة العمل بالحي النموذجي في جبل الحسين السفارة الامريكية تحذر رعاياها في الاردن بالصور .. خريبة السوق .. تعاني الكلالدة : معهد متخصص بمنح " ماجستير بالانتخابات " !! ضبط 10 كيلو من الماريغوانا بالشونة الجنوبية تأجيل تشغيل كاميرات السرعة وقطع الاشارة في اربد لنهاية الشهر الملك : سنستمر بالوصاية على المقدسات وسنتصدى لاي محاولات لتغيير الوضع في القدس-فيديو موظفون ينوون الاعتصام المفتوح امام العمل مستو : خسائر اردنية بعد منع السعودية طيران "القطرية" من العبور فوق اجوائها عباس : لن يمر وعد ترامب كما بلفور ، والقدس خط احمر ولا دولة دون غزة
عاجل
 

هب الهوا يا ياسين..يا عذاب الدراسين



د. نزار جمال حداد
رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين

في منتصف القرن الماضي، وبحلول موسم الحصاد؛ نزل أخَوان من إحدى القرى الجبلية المطلة على سهل حوران نحو السهل للعمل حصّادين بالأجرة لدى أحد كبار الفلاحين. كانت المهمة شاقة للغاية، فشمس الحصاد حارقة في حزيران. أثناء العمل؛ لاحظ أحد الأخوين أن الحصّادين من رجال ونساء يعملون معاً بنفس وروح واحدة لإكمال المهمة، إلا سيدة واحدة كانت تحصد وحدها بمنجلها بعيداً عن الجميع. كيف لهذه المرأة أن تحصد منفردة وبعيداً عن الجميع! توجه الشاب نحو الشاقوق (ويعرف أيضا بـ الشقّاق) - الشخص الذي يقود عملية الحصاد، ويشقُ الطريق وسط أمواج المحاصيل لتحديد وجهة الحصيدة - ليسأله ما لهذه السيدة تحصد وحدها؟! فكان جواب الشاقوق للحصّاد الشاب صادماً، حين قال: «تحصد لحالها لأنه ثوبها مُش ساترها» أي لكون ثوبها بالياً ممزقاً؛ مما يجعل بعضاً من جسدها مكشوفاً. لم يفكر صاحبنا كثيراً، وطلب من الشاقوق أن يحسم ما يعادل ثمن ثوب من أجرته وأجرة أخيه لشراء ثوب لتلك للسيدة، وهكذا حصل. إلاّ أن الأمر أدى إلى نشوب خلاف بين الأخوين كون الموجود أصلاً لديهما قليلا، وثمن الثوب غاليا.

مما دفع صاحبنا إلى تحمل ثمن الثوب وحده، قائلا: «يللّي بستر على الناس الله بسترها معه». ومع الزمن؛ أصبح هذا الشاب ميسور الحال، ولكن أخاه بقي في قلة الحال والحيلة.

هذه القصة ليست رمزية ولا متخيَّلة؛ بل هي قصة حقيقية، لا تزال محفورة في ذاكرة وصدور من كانوا على البيدر حينها، وفي ذاكرة من سمع القصة وعايش الحادثة.

للحصاد آداب وطقوس وعادات وتقاليد ومفاهيم واصطلاحات خاصة، لعل أغلبها أصبح غير مفهوم، وخصوصاً بعد مكننة عمليات الحصاد، وتراجُع المساحات المزروعة بالمحاصيل. وقد لعب الحصاد والبيدر دوراً أشبه بدور الملتقى الثقافي؛ فعلى البيدر تتلاقحُ أهازيجُ وحِداءُ وسامرُ الجبل والسهل والبادية، وتُسرد الحكايات بين المعزّبين (المقيمين) على البيادر.

ومن بين أهازيج الحصاد الشهيرة:
مِنْجَلي وَمِن جَلاهْ    راحْ لَلصايغْ جَلاهْ
ما جَلاهْ إلا بْعِلْبِة   ريتْ هالعِلْبة فِداهْ (عَزاهْ)
مِنْجَلي يا أبُو الخَراخِشْ    مِنْجَلي بالقش طافِشْ
يا ريتِ الشّوك ما بانْ   ولا تخلّقْ ولا كانْ

 وكانت هذه الأهزوجة تُردد أثناء نزول المنجل على قامات القمح عند حصادها، وفحواها: من الذي سنَّ منجلي وجعله حاداً؟؛ سنَّهُ جلّيخ المناجل (تم تلقيب الجلّيخ بالصائغ، كِناية عن أن يديه تستحقان التقدير تماماً كيدي صائغ الذهب)؛ ودفعت له عِلْبِة (ستة صاعات من القمح)، هنيئاً له بهذه الكمية من القمح. وما إن يصبح المنجل بالداً (أي مُثلّما غير حاد)؛ حتى تُغّير كلمة (فِداهْ) بكلمة (عَزاهْ) أي لعلها تُطبخ في مأتمه.ويتابعُ مِنْجَلي مزين بالأجراس يمر بالقش بقوة؛ ويهزج متمنياً أن يكون الحقل خالياً من الشوك.

والحصاد اليدوي أشبه ما يكون «بالأشغال الشاقة» في صعوبته، لذلك اقتضى على مالك الحصيدة والشاقوق والحصادين أن يتمتعوا بسرعة بديهة وروح فُكاهة عالية، لتبديد الهم والتعب عن بعضهم أثناء أداء هذا العمل المضني. فإن سمعوا صاحب الزرع ينبههم حتى لا يبقى خلفهم زرع غير محصود، تسمعهم يغنون:
يا معلّم لا تخاف   ما حصيد إلاّ نظاف
ومع اقتراب قرص الشمس من كبد السماء يغنون حتى يسمح لهم المعلم أن يأخذوا قيلولة، يبدؤون بالحداء:
يا معلم حلّنا  (اي اسمح لنا بالانصراف)
فيرد: حالف ما بَحلكو
فيكررون:- يا معلم حلّنا
فيرد: والعصى بتلِمْكو (أي تجمعكم)
فيكررون: يا معلم حلّنا
فيرد: حالف ما بحلكو       حتى يشرّق ظِلكو

 ويقصد صاحب الحصاد أن التوقف عن العمل سيكون بعد ميلان الشمس عن كبد السماء نحو الغرب، مما يجعل ظلهم متجهاً نحو الشرق.
وفي مرات أخرى يرددون لِحثّ صاحب الحصاد ليجلب لهم طعاماً مميزاً:

يا معلم لن نويت    هات للحصّاد زيت

 ومن باب المداعبة، وبعد الانتهاء من تناول طعام الغداء يهزجون ويرددون:
زيتهم من بيتهم         لا تقول غَديتهم
كما كانوا يتغنون بجمال ابنة صاحب الحقل، حتى لو لم تكن حسناء، من باب المجاملة وطمعاً بمعاملة حسنة منها لعلها تعطف عليهم أكثر من والدها، فيغنّون لها:
جابتلنا والْصّبوح  عدّها برقٍ يلوح
جابتلنا والْغداء    عدّها برقٍ الندى
ويعنون بذلك جلبت لنا وقت الصباح طعاماً بسرعة برق يلمع؛ أما وقت الغداء فكأنها برق يُصاحِبهُ الندى.
وإن تأخرت غنوا لها:
راحت أم الغيث      اتجيبلنا رعود
رجعت أم الغيث     والقمح محصود

وإن وَجَدوا جفاء في معاملتها لهم، أخذوا يحدون:
حارم عاليكي الجيزة
غير منا يا نورة
حِنّا إنشّرق ونغرّب
وانتي تظّلي مطقورة
ويقصدون بها حرم عليكِ الزواج من غيرنا، نحن نذهب شرقاً وغرباً ونتزوج من أخريات وأنتِ ستبقين بلا زواج لتكبُرك علينا.

وتدور الدائرة ليرُدَّ عليهم الحادي لدفعهم على الجد في العمل كون الجميلة لا تقبل بحصّاد متقاعس، بل تُفضّل الراعي المُجتهد في عمله:
يا حصّاد اُكرُب سيرك       عين البيضا لغيرك
عين البيضا للرّاعي           للرّاعي هالهوّاعي

 ويعني بذلك: شد حزامك يا حصّاد وجد في العمل، فـالبنت الجميلة للراعي النشيط.

وبمشارفة الحصاد على الانتهاء؛ حتى تكثر الطيور في موقع الحصاد، فيصدح مالك الحصاد بالغناء:
زرعي كلاه القيقي     والقنبر العتيقِ

أي أكل زرعي طائرا القيق والقبّرة.

ثم يأتي دور الرجّاد الذي كانت مسؤوليته نقل المحاصيل على الرجّادات (الدواب المستخدمة في النقل من الحقل إلى البيدر)، حيث كان لكل نوع من أنواع الرجّادات طريقة نقل خاصة عليها وأدوات خاصة لتثبيت المحصول. فالجِمال يُحمل عليها (الشَّبَك) وهو مصنوع من عصاتين طويلتين طول كل واحدة منها متران تقريباً وموصولتان بشبكة من الحبال. والنوع الآخر من الرجّادات؛ البغال والحمير المستخدمة من قبل صغار المزارعين، أو في الحيازات الصغيرة؛ فيحمّل عليها (القادم) وهو مصنوع من الخشب وشبيه بُسلَّمين متقاطعين يوضع بينهما المحصول المراد نقله.

وللبيدر وترتيبه وجماله معايير خاصة، وهي مصدر لتباهي صاحبها كما يتبادل عليه الحصّادون الخبرات حول الموسم، ولعل أطرف ما يمكن أن تسمعه من كبار السن أنهم كانوا قد ابتدعوا طريقة طريفة للتخلص من مهاجمة البراغيث لهم أثناء الحصاد، حيث تبحثُ البراغيثُ عن الظل والرطوبة فتهاجم وجه الحصّاد المتصبب عرقاً أثناء انحنائه لحصيد القمح والشعير، أو وهو يجدي (يسير على ركبتيه) عند اقتلاع العدس وبعض البقول الأخرى)، حيث كان الحصّاد يتلصّم (يلف وجهه ورأسه بشماغه دون ارتداء العقال)، ويربط فوق رأسه شملة (حزمة) من سيقان العدس أو الكرسنة. وكان الحصّادون يرطبونها بشيء من الماء فتوفر الظل والرطوبة فوق رؤوسهم، فتتجه البراغيث صوبها بدلاً من مهاجمة وجوههم أثناء العمل.

ومن الطَّرائف الأخرى والتي لا تخلو من إبداع ونباهة الحصّادين في الاستغلال الأمثل للموارد في تسهيل مهمة الحصاد والقلاعة (اقتلاع المحاصيل البقولية من جذورها) - عملية استبدال «الحَوْرَة» بقطع من الكوشوك، والحَوْرَة تصنع من جلد الماعز المعالج بالملح والشَّبَة، ويزال عنها الشَّعر، وتستخدم لتقي الرِّجلين وجسم الحصّادين وهم يجدون على ركبهم (يركعون) لخلع المحاصيل البقولية.

أما الدْرَاس فله فنون لا يتقنها إلا المتخصصون. والدَّرّاس هو من يقوم بالإشراف على عملية الدْرَاس، وهي (تكسير القش وتحويله إلى تبن). ولتنفيذ هذه المهمة يتم استخدام لوح الْدّرَاس، وهو لوح كبير فيه قطع من الحصى والصوان، أو (ألقْرَن)، والذي هو عبارة عن ثورين يستخدمان في جر لوح الدراس، مما يؤدي إلى تحول القش إلى تبن. ومن الأهازيج التي تغنى إذا كان الدراس بواسطة ألقْرَن فيهزجون:
دوا ردّن يا حليلي دوا ردّن
(بمعنى دوري يا ملكيتي الحلال دوري).

 أما إذا استخدمت الكديشة (فرس الفلاحة) فيغنون:

يا حمرا يا لوّاحة ...لونك لون التفاحه!
والحمرا هي فرس الفلاحة المستخدمة في الدْراس، وكانت تدور في دوائر حول محور منطقة الدّرس، لذلك أصبحت كلمات «يا حمرا يا لوّاحة» تستخدم كمثل على الشخص الراغب في إنجاز الكثير.   

وإحدى الأهازيج الشهيرة التي كانت تغنى على الدراس، هي:

هب الهوا يا ياسين...يا عذاب الدرّاسين
هبّ الهوا يا حنيني...صار الظعن ظعنينِ!
ويقصد من هذه الأهزوجة أن حياة المزارعين شقاء وعذاب، وينتهي بهم المطاف بقسمة المحصول، وبدل من أن يكون ظعن واحد للفلاح يقسم الناتج ليصبح ظعنين، حصة ظعن تذهب لسداد الدين عن العام السابق وظعن للمزارع، فأغلب الحساب كان يسدد على البيدر.

ليأتي بعد ذلك تذراية المحصول (أي عزق المحصول في الهواء، فتسقط  الحبوب في كوم وينقل الهواء التبن بعيداً عن الحبوب، أما التبن الخفيف جداً فينتقل بعيداً خلف العواذر (سواتر الحجارة الصغيرة)، التي تمنع عَودة التبن الخفيف نحو التبن ومحاصيل الحبوب. ومن هنا جاء المثل القائل «صِرنا شرق العواذر»، ويقولها الشخص الذي لا يهتم لشأنه أحد.

وكان الحراثون حتى لو رفَعَتهم المناصب لا ينسون أصلهم، ولا ينسون الكَدَّ والتعب الذي يصاحب الحصاد وطقوسه، ولا ينسلخون عن أبناء جلدتهم حتى لو تقلدوا من الوظائف ما عَلا. ومن الأمثلة على ذلك الشاعر عرار،  والذي كان مأمور الإجراء في إربد، ورفض تنفيذ أوامر وزير العدلية ومفتش العدلية عندما تم استجوابه نتيجة لضغط قوى المرابين على وزارة العدلية، حيث أجاب على سؤال المفتش، قائلاً: لوحظ أنكم لم تنفذوا الحكم في القضية الإجرائية رقم - تاريخ - فما سبب ذلك؟

فكانت الإجابات كلها أهازيج ومن بينها :
هبّ الهوا يا حنيني...صار الظعن ظعنينِ.

قد يكون الموضوع قد طال عليكم، ولكن
« كلما طالت
ترمي غمور».

 drnizarh@gmail.com