شريط الأخبار
حراك أردني ناشط مع دمشق… و«حزب الله» لا يريد تصعيدا بين إيران وإسرائيل قبل انتخابات لبنان انخفاض على درجات الحرارة وتوقعات بأمطار السبت والأحد الأردن يحذر من تحركات إرهابية وخروقات في الجنوب السوري صندوق النقد: ارتفاع نسبة الدين في الاردن يستدعي سياسية مالية حكيمة إعلان أسماء الحجاج الأسبوع الجاري الربابعة نقيبا للممرضين الجرائم الالكترونية تحذر من صفحات توظيف وهمية على "فيسبوك" عودة مواقع الكترونية حكومية للعمل بعد تعطلها عدة ساعات مراد: ما يثار حول أموال الضمان زوبعة .. ولا تفرد بالقرار الاستثماري الأمانة تنفي اعفاء المواطنين من مخالفات السير وفاة واربع إصابات بحادث سير في البحر الميت ضبط 10 اشخاص بمشاجرة في مطعم باربد ضبط 5 لصوص سرقوا 60 بطارية اتصالات تركيا تقترح إقامة مشاريع بالأردن الخارجية تنفي وفاة أردنيين في القاهرة مجموعة مطارات باريس تستحوذ على 51% من أسهم مطار الملكة علياء في الاردن ضبط منشطات جنسية ولحوم فاسدة في "سوق الجمعة" بإربد .. صور الجمعة.. طقس دافئ وكتلة هوائية معتدلة الحرارة انطلاق انتخابات نقابة الممرضين اليوم الأردن: نقل السفارة الأميركية للقدس يخدم المتطرفين
عاجل
 

طارق مصاروة عد سالما يا فتى

جفرا نيوز - محمد داوديه 
الكتابة عن كاتب من الوزن الثقيل مثل طارق مصاروة، هي إبحار في النيروز و»شم نسيم وشمّة هوا». فمن أين تناولته، ستجده متوفرا ثرّا وفيرا. يستظل بغيمة ريانة مثقلة ب «زهاب» نفّاذ لم ينفذ من حبر الكتابة الرشيقة الواضحة.
«كل يوم» اطالع الصفحة الأخيرة لصحيفة الرأي، فلا اجد منذ شهرين، مقالة طارق «كل يوم» التي لا تضاهى في جمالها ورشاقتها ومحتواها.
انحازُ الى مدرسة ابي علي في الكتابة الصحافية التي كانت تعتمد: فكرة جليلة كبيرة تُصاغ بمفردات بسيطة سهلة والاقتصاد في اللغة ووحدة الموضوع وواحدية الهدف.
على خلاف المدرسة الأخرى التي تعتمد: فكرة صغيرة تُصاغ بكلمات قنبلية مدوية والاطناب والاطالة وتنوع الموضوعات وتعدد الأهداف.
ظل «المعلم» أبو علي مثابرا على المحبرة دون انقطاع او توقف طيلة ستين عاما، تارة يعجن الـ 28 حرفا التي تتكون منها اللغة العربية وتارة أخرى يطحن الـ 28 حرفا. يقدم بعضها ويؤخرها، والنتيجة مختلفة في كل مرة.
مرة يعطينا خبز طابون او خبز شراك او خبزا منقوشا، وفي كل الأحوال والحالات يعطينا خبز قمح بلديا. ودائما كانت حروفه تحمل لون عيوننا ولكنتنا وطيبتنا.
ورغم ان الحروف هي هي، فانه إما ان يقدم منها خريطة طريق لموقف يجدر ان يسلكه النظام. او يقدم الجملة-بيت القصيد، التي لا تنطقها الجهة الرسمية خشية الاحراج، او يقدم ما يعتلج في الضمير الوطني الذي حين يقرأها المواطن يقول: الله الله يا طارق، بالأمس كنا نتحدث في الموضوع.
مسيرة الالف ميل وأطول، بدأت في وضح «النهار» مع آل تويني وامتدت الى الرأي والدستور وصوت الشعب والوطن الكويتية و»روزا» كما امتدت رحلته المهنية الى قطر حيث عمل مع كوادر اردنية في تأسيس صحافتها.
حمل طارق راية الوطن وخاض آلاف المعارك في الإذاعة والصحافة والثقافة والاغنية، منذ نهاية خمسينات القرن الماضي الى ما قبل شهرين، حين دهمه عارض صحي، حجبه عن لهفتنا وعن وجبتنا وعن نافذتنا التي نطل منها على الحكمة والتجربة والفن الصحافي الرفيع.
عندما «طلبت» أم عمر، تشكلت جاهتي عام 1986 من رجالات «القَدَر الوطني» الذي ضم خليطا فاتنا من الموالاة والمعارضة: طارق مصاروة، الذي قال كلاما ليس كالكلام في المرحلة والوطن والأمة، ومريود التل شقيق وصفي وعبد الجواد صالح وإبراهيم قبعة وتيسير الزبري الذي حلق في ذرى التحليل السياسي الرصين، وعزمي الخواجا وصدقي الفقهاء ورضوان محادين وعبدالقادر الشواورة ومحمد الجالوس واحمد داودية.
طارق ما قصّر مع الوطن والدولة والمواطن، ولم تقصّر الدولة والأصدقاء معه. فالاوفياء يعودون «العود» و»الرِّجل لا تنقطع» كما تقول رفيقة دربه السيدة نبيلة مصاروة. وعندما زرته قبل أيام بصحبة ابني عمر المبهور به مثلي، كان ابن الحزب القومي السوري ما يزال يصدح بشعار ان الوطن الأردني هو قلب الامة وان الشعب الاردني هو الأمين على نسغ وحدة الامة.
انحبس طارق كما هي العادة السياسية الطبيعية لشباب الخمسينات والستينات. وظلت تجربته العميقة الطويلة حبيسة قلبه، فقد عاصر الشهيد وصفي التل وعمل معه. تقول نبيلة «وصفي عايش معنا في البيت، فمن يوم ما تزوجت طارق وهو لا يتوقف عن ذكره والترحم عليه». وعاش مع اسرته زمنا في الشام ثم هرب منها الى بيروت حين تم البطش بالحزب القومي السوري.
وعاصر طارق كل رؤساء الوزارات منذ الستينات: من الشهيد هزاع الى طويل العمر هاني الملقي الذي يهاتفه مطمئنا ويرسل الورود الى منزله في ام اذينة. وعمل مع عمالقة الاعلام الأردني: صلاح ابو زيد وامين أبو الشعر وجمعة حماد وسليمان عرار ومحمود الكايد ومحمود الشريف وإبراهيم سكجها وحسن التل وعبد الرحيم عمر وراكان المجالي وحيدر محمود وجورج حداد.
عندما تقرر تعيينه رئيسا لتحرير صحيفة «صوت الشعب» ومريود التل رئيسا لمجلس الإدارة، سألني: «شو بدك نكتب اول مقالة لي هون». قلت: انت عمليا لم تفعل اكثر من انك قطعت الشارع.  فكتب مقالا جميلا وهو القادم من صحيفة الرأي المقابلة لصحيفة صوت الشعب وكانت المقالة بعنوان «قطعنا الشارع». تحدث فيها عن اختيارات الكاتب وطرح عليّ سؤالا:
هل تفضل ان تكون الكاتب الأول في الصحيفة الثالثة؟ او تفضل ان تكون الكاتب الثالث في الصحيفة الأولى؟. كان جوابي خارج «حشرة» الخيارين: افضل ان أكون الكاتب الأول في الصحيفة الأولى.
كتب طارق خلال ستين عاما عن الأردن وعن فلسطين وعن العراق وعن الجزائر وعن المغرب وعن ليبيا وعن سوريا وعن الامة العربية في كل حالاتها. وكتب عن ملوك بني هاشم: عبدالله الأول وطلال والحسين وعبدالله الثاني. وتعرف طارق على شخصيات سياسية مهمة مثل هلموت شميت وهنري كيسنجر.
كل ذلك لم يتح لنا طارق، ان نضمه الى ذاكرتنا الوطنية. كان بإمكان طارق ان يكتب اجمل الروايات لما يتمتع به من تجربة وثقافة وقاموس باذخ في عذوبته ودقته.   
طارق مصاروة معلمي، كان يقول: محمد ابني الروحي. وانني لأعتز بهذه الصلة الروحية التي تجمعنا.