جفرا نيوز : أخبار الأردن | قنصل فخري و سفراء غير فخريين .. عن المنح إلى هنغاريا
شريط الأخبار
الدفاع عن متهمي الركبان يُنْهي مرافعته الثلاثاء التاريخ يعيد نفسه انخفاض على درجات الحرارة السبت والأحد ‘‘حقوق الإنسان‘‘ يشكك بأرقام حملة التشغيل الوطنية تعليمات معدلة لـ‘‘النقل الذكي‘‘ خلال أسبوعين الدرك يتدخل لانهاء أعمال الشغب في بلدة أبدر في اربد القبض على عراقي اثناء هروبه من مطار الملكة علياء "بداية عمان" تقرر تصفية شركة الصقر الملكي للطيران اجباريا حقائق عـن " المدّعي " مؤيد المجـالي ، فـاحذروه !! الزميل الفراعنة يتجه للقضاء في وجه محاولات الاساءة اليه بالصور..مركبات متحركة الى المناطق الآنية لاصدار بطاقات ذكية للمواطنين فتاتان تسرقان حقائب نسائية اثناء حفل زفاف في عمان مساء الامس. والامن يحقق... نتنياهو: خط دفاعنا يبدأ من غور الأردن حين يصبح الحلم نقره والنقره روايه... وفاة طفل وإنقاذ آخر بعد غرقهما بمسبح في إربد وزراء يقتربون من الخط الأحمر يحدث في مدارس الاردن.. ضرب واطلاق رصاص وشج رؤوس واعتداء على المرافق مصدر: التنسيق مستمر بشأن انتشار قوات ألمانية بالمملكة %40 نسبة علامة النجاح بمواد ‘‘التوجيهي‘‘ أسعار الذهب تستقر وعيار ‘‘21‘‘ يبلغ 26 دينارا
عاجل
 

قنصل فخري و سفراء غير فخريين .. عن المنح إلى هنغاريا

جفرا نيوز - مالك العثامنة
قبل صيفين في بودابست، كنت في مقهى أرتاح ما بعد الظهيرة من جولة في المدينة الأوروبية الخلابة، و على طاولة بجانبي كان شاب عشريني يتحدث على الهاتف وبلهجة أردنية، لفت انتباهي و بحكم بعض ومضات الحنين التي تداهمنا فجأة، التفت إليه بعد ان انهى مكالمته، وبعد التحيات والمزاح انضم إلى طاولتي و أكرمني بقبول دعوتي له على فنجان قهوة.

الشاب، من قرية جنوبية أردنية، أنهى الثانوية العامة و بمعدل جيد، و بسبب غابات كثيفة من الواسطات والمحسوبيات لم يستطع الحصول على أي مقعد في أي من جامعاتنا الأردنية الرسمية، و بطبيعة الحال هو من مجمل العائلات الأردنية الكريمة التي لا تستطيع ان تتغلب على قهر التكلفة في الجامعات 'التجارية' الخاصة، فأمسك بأول فرصة لاحت له بعد قراءته إعلانا عن منح حكومية هنغارية للدراسة في هنغاريا، فنال منحة حسب الأصول وبدأ دراسته في هذا البلد الأوروبي العريق، و استأذنني بتهذيب بعد فنجان القهوة للمغادرة حيث أن لديه موعد لمقابلة عمل محترمة تعينه على مصاريفه التي تحملت الحكومة الهنغارية دراسته و مصاريف سكنه فيها.

طيب..
هذا الشاب، الأردني الكريم والذي يتسلح بالعلم والمعرفة في أوروبا، كان يمكن أن يكون أي مشروع قهر في الوطن لولا تلك المنحة.

والسؤال هنا بكل بساطة: لماذا تكلف الحكومة الهنغارية نفسها بهذه المنح لطلاب أجانب؟ و هنغاريا دولة اقتصادها ليس من إقتصاديات الدول الكبرى؟

الجواب، و بوضوح، يكمن في جهود شخصية جبارة تحملها رجل واحد، سعى بكل علاقاته الخاصة والرسمية لتكليلها بهذه الكوتا من 400 منحة سنوية تقريبا حازت عليها المملكة الأردنية الهاشمية.

جالست زيد نفاع خمس مرات فقط في حياتي أثناء زياراتي إلى بودابست خلال الأعوام الثمانية الماضية، و كنت في كل مرة أخرج بانطباع مختلف عن الرجل – المليونير، الذي لم أفهم في أول لقاء بيني و بينه لماذا يتحمل أعباء وظيفة 'قنصل فخري' للأردن في هنغاريا وهو المقتدر ماليا على التفرغ لأي مشروع أعمال في هنغاريا يدر عليه أرباح وفيرة.

تفسيري الأول ، كان أنه ربما يريد إشباع حاجة النفوذ، حسب نظرية سلم حاجات ماسلو، لكن الرجل لديه نفوذ في هنغاريا بعلاقاته أكثر مما يوفره له منصب 'قنصل فخري'، ثم بدافع الشك كصحفي اعتقدت أنه يستغل وظيفة القنصل الفخري لتسهيل أعماله التجارية، لأكتشف أن الرجل و أشقاؤه بنوا أعمالا تجارية في المجر منذ نهاية السبعينات، و أن علاقاته الشخصية هي التي تسهل للقنصل الفخري الأردني كل الأعمال!! ( وانا أيضا أؤكد هنا أني لا أعرف عن حجم تشابك عمله القنصلي بنشاطاته التجارية فلا أدافع عنه وهو الأقدر على ذلك ).

لم أرتح بحثا عن جواب، حتى سنحت لي الفرصة ان أفجر السؤال في وجه الرجل، و قد صغته بفظاظة كي أتجنب منه أجوبة دبلوماسية إنشائية مثل حب الوطن و خدمة البلد وتقبيل ترابه وما إلى ذلك من عبارات سريعة الذوبان.

الرجل، تلقى السؤال الفظ مني بأريحية (أعتقد أنه درب نفسه جيدا على طول البال)، و أجابني بلهجته الأردنية العامية عن تاريخ حياته و نشأته لعائلة سلطية متوسطة الحال، و أنه لا يعنيه رضا الحكومات عليه، فهو قد حقق في هجرته ما كان قد يعجز عن تحقيقه في الأردن، لكنه لا يخفي رغبته بمساعدة من يحتاج، من منطلقات خاصة به، لا يهمه أن يصدقه أحد بها، ولا يهمه – كما قال لي بثقة متناهية- ان أصدقه او لا أصدقه حتى.

جواب الرجل قد لا يكون مقنعا للجميع في صياغتي المختصرة لكل ما قاله لي، لكن يكفيني أني اقتنعت جدا بصدق كلامه، وهو يتحدث عن سلبيات الواقع في الأردن، و كيف يمكن لنا أن نشعل شمعة بدل أن نلعن عتمة هذا الواقع ولا نفعل شيئا.

حتى اللحظة، لا أدعي ان الرجل صديقي، ولا أخفي أنني قبل عامين أيضا، وبعد حديثي مع الشاب الجنوبي الجميل في بودابست، طمعت بمنحة لشقيقي الأصغر، و هاتفت نفاع أكثر من مرة، و كل مرة كان يخبرني بنفس الجواب: 'خليه يقدم في التعليم العالي، وإذا بستحق على بركة الله '، لن أدعي أني رضيت بجوابه، غضبت، قسوت بالحكي عنه و عليه، لكن لم أستطع مقابلة ما يقول بحجة أقوى، فحجته سليمة، و كما توقعت، لم يكن أخي ضمن القوائم، و هاتفت زيد، الذي قال لي :' لا تزعل، بكون حدا محتاج من البلد مستحق أخذ حقه، حتى ان ولدي يدرس على نفقته الخاصة، و حظا أوفر في العام القادم'.

في زيارة تالية لتلك المكالمة، التقيته، معاتبا بشدة، فأصغى بهدوء، ولم يطرح نفسه علي قديسا ولا واعظا، بل بكل بساطة قال لي أنه لا يسيطر بالمطلق على أي مدخلات في تلك المنحة، هو نجح في الحصول على برنامج المنح و سلمه للحكومة الأردنية التي تضع الإجراءات، ويرى هو انها إجراءات سليمة لا غبار عليها.

نال أخي الماجستير في الأردن على نفقته الخاصة و بدرجة امتياز وقد كان تقديره في البكالوريوس الأردني جيد جدا، و تقدم بعدها حسب الأصول لوزارة التعليم العالي وهاهو الآن يستعد بعدما حصل على منحته لاستكمال تعليمه العالي في هنغاريا حسب الأصول والإجراءات.

وها انا أكتب عن زيد نفاع، الذي لا منة ولا فضل له علي في منحة شقيقي، لكن جهده في تحصيل برنامج المنح أكبر من أن نغفل عنه و نتغافل عن أسئلة كثيرة في هذا المجال.

أول الأسئلة كيف يمكن لقنصل فخري ( غير معين على كادر الخارجية) أن يحصل على برنامج منح من دولة ذات اقتصاد لا يختلف كثيرا عن اقتصاد الأردن، و لا نرى جهدا مماثلا من سفراء بكامل أهليتهم الوظيفية و صلاحياتهم الدبلوماسية يعملون على خدمات كتلك؟

ما هي وظيفة السفير بالضبط غير التصوير بتقديم أوراق الاعتماد و حفلات الأعياد الوطنية و نقل رسائل التعاون المشترك بين البلدين؟ هل يحمل السفراء روح المبادرة؟ وهل هناك قيود بيروقراطية او أمنية أو سياسية تحد من مبادرة ما يحملها أحدهم؟

لا فضل لزيد نفاع، على الدولة، فالدولة منحته أيضا منصب القنصل الفخري الذي وظفه الرجل توظيفا جيدا فكانت المحصلة برنامج منح دراسية ل400 طالب أردني كل عام.

لكن لنا حق سؤال الدولة عن رجالهم غير الفخريين الموزعين على أصقاع الأرض و حجم القيمة المضافة من وجودهم في مواقعهم!

لا توجد 'مناصب تزهو بأشخاصها ' كما يحلو للأردنيين أن يخاطبوا المسؤولين من ذوي القرابة والمحسوبية، المواقع العامة والرسمية استحدثت لأداء الخدمة العامة، والزهو بالمنصب زائدة لفظية لا معنى لها على أرض الواقع، لكن الخدمة العامة تزدهر، و تنمو مع المجتمع الذي ينمو بالجهد والمبادرات الخلاقة.