جفرا نيوز : أخبار الأردن | أكلت سمكا طازجا من البحر الميت !!
شريط الأخبار
بيان صادر عن حزب أردن أقوى حول الزملاء الموقوفين على خلفية خبر صحفي اعتصام مفتوح في مقر نقابة الصحفيين المصري وزيرا للشؤون البلدية ووزيرا للنقل بعد استقالة مجاهد قوات الامن تلاحق الصحفيين وتمنعهم من اقامة الاعتصام امام رئاسة الوزراء راصد يستنكر توقيف الصحفيين المحارمة والزيناتي ثلوج على المرتفعات فوق 1000م مساء غد وحتى عصر الجمعة اعتصام الصحفيين في تمام الساعة 12 امام رئاسة الوزراء 17/1/2018 وفيات رفع اكراميات خطباء المساجد بقيم تتراوح بين 7 – 15 ديناراً أردنيون يقترحون ضرائب جديدة للحكومة عبر تويتر لا حرية للصحافة في الاردن على مؤشرات "فريدوم هاوس" قوائم الضريبة الجديدة على السلع الملك: القدس مفتاح الحل انخفاض جديد لدرجات الحرارة وأجواء أكثر برودة رساله من النائب ابو صعيليك الى ملحس بيان صادر عن عشيرة المحارمة عشيرة الديرية تمنح عشيرة السبيله عطوة اعتراف عشائرية نقابة الصحفيين بصدد اقرار سلسلة من الخطوات لتكفيل المحارمه والزيناتي مجلس العاصمة : على الحكومة اجتراح حلول اقتصادية بعيدا عن جيب المواطن الحكومة ترفع ضريبة بنزين 90
 

أكلت سمكا طازجا من البحر الميت !!

جفرا نيوز- كتب: ذكــريــات مـعـلـــم ( 1 - 8 ) - محمد داودية
 

بدأت الحكاية التي استمرت احد عشر عاما من البهاء والعناء، برسالة قصيرة من عمي القدوة والنموذج الحاج عبد خلف الداودية –أبو محمد، يرحمه الله ويحسن إليه، وهو احد الرجال الذين بنوا واشادوا وسلكوا مسالك الشرف والنزاهة والعطاء، وكان يومها مدير التربية والتعليم لمحافظة العاصمة، إلى الأستاذ ذهني رأفت الرجل النقي الذي قدم هو الاخر عصارة عمره ولم يتم انصافه وتحمّل ولم يشكُ ولم ينبس بحرف، وكان يومها موظفا كبيرا في وزارة التربية والتعليم.
جاء في رسالة عبد خلف داودية بالحرف الواحد: (أخي الأستاذ ذهني رأفت ابعث إليكم ابن عمي هذا راجيا تعيينه وستجدني إن شاء الله من الشاكرين. أخوك عبد خلف). أجلسني الرجل، الأكثر بشاشة ودماثة من بين كل من عرفت، وتحدث عبر الهاتف ثم قال لي: اذهب إلى شؤون الموظفين واستكمل إجراءات التعيين، ثم أضاف مبروك محمد. لقد أصبحت معلما، كان ذلك في 18 آب عام 1966.
ومن محاسن الصدف انني عملت بمعية هذا الأستاذ ذهني رأفت في صحيفة صوت الشعب في تشرين الثاني عام 1982 وكان حينها مديرا عاما لها. وبعد أيام من عملي ناداني الى مكتبه وقال لي: مطلوب لمراجعة المخابرات. الموضوع لا يتعلق بعملك هنا ولا بكتابة مقالتك التي احب لونها وقتاليتها "عرض حال". الموضوع له صلة بالماضي. ولما قلت له: أرى انك تعمقت مع "الدائرة" في موضوعي، إذ لم تجر العادة ان يستفسر المدراء "الشجعان" عن هكذا استدعاءات. ابتسم وقال لي انت وطني حر وكل ما في الامر ان معارضتك بناءة ومفيدة وضرورية.
زرت هذا الرجل الشركسي النقي الجميل في منزله عندما أصبحت وزيرا للشباب وسيظل له في نفسي مقام سني بهي.
جاء تعييني في مدرسة سويمة الواقعة على البحر الميت، في مطلع أيلول 1966 فسكنت مع المعلمين في غرفة طينية بسقف من القصيب تتدلى منه مروحة. لا هاتف، لا ثلاجة، لا تلفزيون، لا "دي في دي"، لا سيارة، لا مقاهٍ، لا سينما، لا لاب توب، لا فيسبوك ولا واتسأب!!
فقط مذياع ترانسستور وكتب ومجلات وصحف.
كان عالمي آنذاك مليئا بالكتب التي تزيد على كتب كشك الثقافة العربية لصديقي حسن أبو علي. وكانت "مُعدّاتي" حينذاك سريرا جيشيا يحدث صريرا لا يضبط ولا يطاق. وفرشة ولحافا من الصوف ومقلى وإبريق شاي وبريموسا ومكوى صغيرة وحفاية ومذياعا كنت استمع منه إلى احمد سعيد كبير مذيعي صوت العرب وهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" واستمع إلى أم كلثوم من إذاعة إسرائيل شأن كل الامة العربية، على الساعة الرابعة لمدة ساعة عصر كل يوم.
هناك، في قرية سويمة الرابضة عند حواف البحر الميت، أكلت سمكا طازجا التقطته من البحر الميت!!
فقد فاض نهر الأردن "الشريعة" وحمل إلى البحر، من بحيرتي الحولة وطبريا وعلى امتداد الأخدود، كلّ ما في طريقه من كائنات حية: أسماكا وأفاعٍي وضفادع، كانت تطفو على سطح البحر، فيلقيها الهواء إلى الشاطئ، لنلمها محفوظة مملحة بملح البحر جاهزة للشواء.
وكان طلابنا يحملون لنا في الصباح حبات الباذنجان والبندورة والفلفل الأخضر والكوسا والزهرة والملفوف وضمات النعنع والفجل والبصل الأخضر. فكانت وجباتنا المجانية تتكون من تلك الخيرات التي كانت خلوا من اللحوم. لم تكن ملحمة في سويمة آنذاك.
وما أن يقرع جرس الإيذان بانتهاء دوام ظهر يوم الخميس، الذي كنت انتظره بشغف العشاق، حتى أتوجه إلى الطريق الرئيسي الواصل بين ضفتي نهر الأردن فاستقل حافلات رجب الخشمان الهابطة الينا من عمان إلى أريحا التي أتناول فيها وجبة الغداء المكونة من الكباب والحمص وزجاجة سحويل ب 5 قروش. وأما أبو سمرة بائع الموز والبرتقال فقد قال لي عندما سألته عن كلفة تناول البرتقال "عن أمه" كُلْ ما شئت حتى تشبع بقرشٍ واحد واحمل ما تستطيع حمله من الموز والبرتقال ب 3 قروش.
صعودا من أريحا إلى القدس كنت اركب التاكسي العمومي بعد العصر. في القدس انت تجد التاريخ مكثفا، يمكن أن تمسكه بيديك.
كنت أتجول في حواري القدس وأزقتها وأمر على مكتباتها ومساجدها وكنائسها وأسوارها إلى أن تكل قدماي فاجلس على المقهى أتناول الشيشة العجمي وإبريق الشاي بالنعنع ثم أتوجه الى الفندق الذي يتناسب سعر المبيت فيه مع طبقتي وراتبي فأجد فندقا بسعر 80 قرشا في الليلة مع إفطار. كانت الفنادق تعج بالسياح الذين ادخل معهم في نقاش سياسي وتاريخي طويل يسلمنا إلى النوم.
أحيانا كان يأتي الشهيد ميشيل النمري ومحمود كساب إلى سويمة، فنتغدى "مكمورة". وهي طبخة عزابية شهية للغاية، مكونة من الدجاج والبطاطا والبندورة والبصل والفلفل الأخضر والأسود والملح، توضع كلها دفعة واحدة في الطنجرة ويضاف اليها كوب ماء كبير وتترك نحو ساعة على البريموس- البابور دون أي تدخل، وما أن تنضج حتى نلتهمها، مغمسينها بخبز شراك القمح حتى آخر غرام منها. ثم نتوجه إلى الطريق الرئيسي بالطبع سيرا على الأقدام، فنستقل الحافلة إلى رام الله حيث نسهر في ملاهيها الليلية نستمع إلى مطربي الإذاعة الأردنية حتى الفجر. أو نذهب إلى السينما لمشاهدة أفلام عمر الشريف وفاتن حمامة وفريد شوقي ومحمود المليجي واحمد رمزي وشكري سرحان وهند رستم وماجدة.
في اليوم التالي نتوجه إلى نابلس أو إلى القدس أو إلى جنين او الى الخليل حيث نتغدى كنافة تصبح هي وجبة الغداء والتحلاية معا. ولا يخفى أننا نجوس مكتبات مدن الضفة الغربية التي نزورها وتحديدا مكتبات الكتب المستعملة فنبتاع ما تمكننا ميزانياتنا من ابتياعه خاصة وان الكتاب عندنا مشاع، نقرأه ثم نحيله إلى من يرغب في قراءته وهكذا يتمكن الواحد منا من قراءة العديد من الكتب بالمجان تقريبا.
في العطل الأسبوعية الأخرى -وكانت العطلة الأسبوعية للأسف الشديد هي يوم الجمعة فقط-، كنت اذهب احيانا إلى المفرق حيث الأهل الذين احمل إليهم الموز والبرتقال و"الغيارات" الداخلية والقمصان والجرابات، التي يسميها أصدقائي من أهل المدن "الكلسات"، وحيث الأصدقاء عبد المهدي علي التميمي واحمد مرزوق الوزان وعلي سلامة أبو فلاحة المشاقبة وكمال فرحان السهاونة وعبد الحميد عرقوب الدغمي ونايف ميخائيل حداد وفيصل عبد الرؤوف الدحلة ومحمد الملكاوي وغازي هلال النمري ونايف ومحمد العجلوني ومصطفى صايل الحسبان وفراج عيد فراج ومحمد خالد الرواد واسعد عطا قويدر ومحمد ومحمود علي الشبيل وفرحان محمد الحسبان وخالد ويوسف هاشم الهنداوي وفكتور نشيوات ويوسف وعماد القسوس وسمير نواف الدخيل ومحمود إبراهيم كساب وميشيل وفخري النمري ونايف عطالله الليثي ومحمد إبراهيم حرب وعلي محمد مشري.
لا اعرف كيف نجا أهل سويمة والأغوار الأردنية عموما، من سموم الأفاعي في تلك الحقبة المبكرة، التي كانت الأفاعي تتخذ فيها من السقوف جحورا ومساكن لها. حدث أن كنت اقرأ رواية ذهب مع الريح لـ مارغريت ميتشل حين سمعت هسهسة فرفعت رأسي إلى الأعلى فإذا بالأفعى تتلوى بين القصّيب فنبهت رفيقي في الغرفة التي سارعنا إلى مغادرتها وبقينا طوال تلك الليلة في الخارج نسهرعلى ضوء حطب البلان الذي اشعلناه إلى أن طلع علينا الفجر.
مر بنا قرويون يعملون في مزارع عبدو الأنيس فأخبرناهم بما جرى فضحكوا وقالوا انه كان علينا أن نملأ الغرفة دخانا، فالأفاعي لا تحتمل رائحة الدخان التي تطردها. وبعدها يمكن ان ننام ملءْ جفوننا. المهم في الأمر أن شابا منهم دخل إلى الغرفة وأغلقها خلفه، غاب نحو نصف ساعة طلع بعدها باسما وفي يده الأفعى المائل لونها إلى الخضرة، يمسكها بكل هدوء من رأسها، والأفعى مستكينة بين أصابعه، فعرضها علينا إن كنا نريدها ولما لم نوافق، قطع رأسها وطلب منا أن ندفنها كي لا يطأ أي شخص على عظامها فيتسمم!
اقسم المعلم شريكي في الغرفة انه لن يظل في بلاد الافاعي تلك. وفعلا ما ان اطلت علينا اول لاندروفر تعمل على خط الاغوار عمان حتى كان قد رمى يطقه فيها وغادر دون اية كلمة وداع.
زار مدرستنا مدير تربية البلقاء التي تتبع لها مدرسة سويمة الابتدائية وسألني لماذا أنت حافي القدمين يا أستاذ! كنت انتعل صندلا احضره لي من تبوك خالي إبراهيم أبو شنب، الذي كان يعمل سائق شاحنة، فقلت له: هذا هو لبس خوالي المعانية. فتفاجأ بي وتفاجأت انه احمد العقايلة -أبو نبيل- مدير التربية والتعليم. فسأل ولماذا لا تعمل في معان عند أخوالك؟ فقلت له: الله وايدك.

بعد أسبوع جاءني كتاب نقلي إلى معان فتلقفته بلهفة وامتنان.