وفيات الخميس 14-11-2019 إساءة استعمال السلطة قضية بحق الوزيرة (إسحاقات) نظام جديد يلزم البلديات بتوزيع حاويات النفايات وفق أعداد السكان والمنازل قاضي القضاة يستنكر إطلاق مواطن للنار ارتفاع آخر على الحرارة الخميس (القادم افضل) ..خطوات حكومية متسارعة ومتابعة ملكية حثيثة وفاة شاب دهساً في الزرقاء اغلاق محال تبيع الدخان المهرب الصفدي يطالب بوقف العدوان على غزة بيع مصوغات ذهبية محشوة بالنحاس بالأردن قرارات مجلس الوزراء الملك يوجه الحكومة لإطلاق جائزتين، للنظافة وللمشاريع الإبداعية التنموية طوقان يستعرض نجاحات البرنامج النووي الأردني امام الدول العظمى في واشنطن مدعي عام جرش يوجه تهمة احداث عاهة دائمة مرتين لمرتكب جريمة جرش الصبيحي: 29 ألف متقاعد استفادوا من سلف الضمان الزراعة: 25 الف طن زيت الانتاج المتوقع للموسم الحالي سجناء "الرميمين" يصنعون القهوة..ويعيلون انفسهم واسرهم وهم داخل مركز الاصلاح إصابة أربعة أشخاص اثر حادث تصادم في محافظة البلقاء تحذيرات من حالة عدم استقرار جوي الخميس الأردنيون يحيون غداً ذكرى ميلاد الملك الحسين بن طلال
شريط الأخبار

الرئيسية / قضايا و آراء
الخميس-2019-10-09 |

عبد الناصر الزعيم الرمز الذي التفت حوله الجماهير

عبد الناصر الزعيم الرمز الذي التفت حوله الجماهير

جفرا نيوز - مهدي مبارك عبد الله

في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970 توفى الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر مؤسس مصر الحديثة بعدما داهمته نوبة قلبية ولم يناهز بعد 52 من عمره وهو في أوج عطائه وعنفوانه القومي العربي وذلك بعد وداعه القادة العرب في مؤتمر القاهرة الاستثنائي لوقف الإحداث الدامية في الأردن آنذاك وقد حلت علينا قبل أيام الذكرى الـ 49 على رحيله بعد ان استمر في مقعد الحكم نحو 16 عاما قضاها رئيسا لمصر في مرحلة فارقة من تاريخها الحديث إثر إقصاء الرئيس الراحل محمد نجيب عام 1954 تاركا خلفه إرثا عظيما من الوطنية وتحدي قوى الاستعمار والصمود والمثابرة على بناء مصر وجيشها وإعلاء مكانة وشان شعبها 

ربما لم تحظَى أي شخصية وطنية أو قيادة شعبية في تاريخ مصر الحديثة بقدر من الجدل والاهتمام مثلما حظيت به شخصية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبعيدا عما أُشيع حول ديكتاتوريته وبطشه بمعارضيه فقد ظل يحظى بجماهيرية عارمة وغير مسبوقة وشعبية جارفة حتى بين أبناء الجيل الذي لم يعاصره أو يعرفه بعدما نسبت إليه بطولات وأمجاد ونسجت حوله روايات تصل إلى حد الأساطير حتى أصبح وكأنه أحد أبطال قصص التراث الشعبي ليس في وجدان المصريين فحسب وإنما في وعي وذاكرة الأمة العربية وعلى امتداد أقطارها من الخليج إلى المحيط وبعض دول العالم الغربية والشرقية وبالرغم من مضي ما يزيد على نصف قرن على قيام الثورة ونحو 49 عام على رحيله فإنه ظل دائما الغائب الحاضر بكل إيجابياته وسلبياته ( كديكتاتور في نظر منتقديه وزعيم وطني في نظر محبيه ) سيما وانه كان آخر من نادي بالوحدة العربية 

وللحقيقة فقد استطاع الرئيس الخالد جمال عبد الناصر أن يسطر في التاريخ الحديث صفحات من نور بعد أن قاد تنظيم الضباط الأحرار الذي أطاح بالملكية والإقطاع والرأسمالية حيث تمكنت ثورة 23 يوليو الداعية للتحرر من الاستعمار والتبعية من بدء عصر التنمية بأيادي المصريين الحرة والعمل على تغير خريطة المنطقة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بعدما خاض زعيمها الثائر عبد الناصر نضالا صعبا وطويلا ضد الاستعمار وحلفائه ومعارك كبرى فى الوطن العربي وإفريقيا والعالم الثالث انتصر فيها للشعوب الحرة التي قادت التغيير فى كافة مناحي الحياة بذكائه الثاقب وقوة أرادته وشجاعته الفريدة

حيث ارتبط اسمه مباشرة بحركات التحرر العالمي وبحركة عدم الانحياز التي قادها مع نهرو وتيتو وسكارنو عقب مؤتمر باندونج بهدف توحيد دول العالم ضد القوى الاستعمارية التقليدية إضافة الى دعوته للشعوب العربية المؤمنة بعروبتها وبمصالحها لتلتف حول مصر وتدعمها بكل قواها لتنهض من جديد وتقود الأمة العربية نحو بر الأمان لهذا سيبقى جمال عبد الناصر في وعي وذاكرة وضمير الكثير من الشعوب رمزاً للحرية والاستقلال والكرامة الوطنية والعدل الاجتماعي وبوفاته خسر العالم بصورة مفجعة زعيماً بارزاً كافح وجاهد وخدم بإخلاص وبلا كلل قضايا بلاده وأمته ودول العالم الثالث في كافة المحافل المحلية والإقليمية والدولية وقد اعتبر رحليه بمثابة كارثة عظيمة وفادحة حلت بالوطن العربي

لقد تعرض عبد الناصر بعد رحيله الى محاولات عديدة للنيل منه وتشويه صورته و الإساءة الى تاريخه ومكانته والتي بثها الأعداء من قوى الاستعمار والرجعية التي أجهض طموحاتها مع بعض الفئات التي فقدت مصالحها حيث عملوا على قلب الحقائق وتحويل المنجزات إلى أخطاء بعيدا عن الحيادية والإنصاف ودون النظر الى الكثير من منجزاته المعنوية والمادية التي ما زالت ماثلة حتى اليوم تعبر عن عظمة وتاريخ هذا الزعيم رغم قصر مدة حكمة وهذا ظلم كبير تعرض له الزعيم بعد رحيله وبرغم كل ذلك بقي خالدا في قلوب الجماهير وازدادت على مدى ما يناهز نصف قرن من الزمان بعد رحيله لما قدمه في سبيل وطنه وأمته والعالم 
 
وما زالت صوره مرفوعة في كل المناسبات القومية العربية وشخصيته حديث المجالس وشاغل الناس حتى اليوم وليس ذلك مستغربا على رجل كان يمثل المشروع العروبي والقيادة العربية كرس مدرسة فكر ناصرية متوارثة تنهل من مبادئه مع مرور الزمن لهذا فقد ترحم عليه حتى من كانوا في السجون في عهده مثل الشيخ التلمساني وبكاه القيادي ألإخواني فريد عبد الخالق وبعض الشيوعيون و حزن عليه الشاعر أحمد فؤاد نجم والصحافي مصطفى أمين الذي كان في الحبس يوم وفاته وقد رثاه عدد من الشعراء في مقدمتهم فؤاد حداد وغيرهم الكثيرين الذين شعروا ( بفقدان المشروع العربي بفقده ) وقد رثاه كذلك الشيخ الإمام الشعراوي بعد سنوات من رحيله بعدما رآه في المنام فذهب إلى ضريحه معتذرا ودعا له بالمغفرة والرحمة لا شك أن مصر خسرت قائدها العملاق وشخصية تاريخية لا تتكرر كحاكم مصري وطني وفاته كانت خسارة لمصر كلها

في عهده تم بناء السد العالي الذي يعتبر أضخم مشروع دولي في ذلك الوقت رغم كل المعوقات والعراقيل التي وضعت أمامه ولكن إرادة عبد الناصر كانت أقوى فتحقق هذا المشروع العملاق وكذلك قناة السويس التي كان يتقاسم ريعها قوى الاستعمار أعادها إلى ملكية الدولة المصرية فأممها رغم أنف تلك القوى الدولية فنشبت على أثرها ما يسمى بحرب السويس أو العدوان الثلاثي حتى تحقق النصر في نهاية المطاف لصالح مصر وعادت القناة إلى ملكية مصر الوطنية 

وقد أمم ايضا البنوك والمنشآت العامة وأعاد مواردها وثرواتها للدولة المصرية وأبنائها حيث تحرر الإنسان المصري من سيطرة رأس المال والسلطة الرأسمالية والاستعمارية إضافة إلى بناءه لبرج القاهرة وتطوير الأزهر الشريف الذي كان يمثل قبلة دول العالم الإسلامي في الدراسة والبحث العلمي الشرعي واللغوي والأدبي وكذلك وسع مجانية التعليم والصحة ودعم السلع الغذائية الأساسية للفقراء ومتوسطي الدخل وبرز في تلك المرحلة كبار الرموز في العلوم والفنون والآداب وكبار القراء في تاريخ مصر والوطن العربي ووقع اتفاقية الجلاء مع الإنجليز وسن قانون الإصلاح الزراعي ودعم الفلاحين والعمال وظهر الاهتمام الرسمي الكبير بالزراعة والصناعة فبدأت نهضة صناعية مصرية كبرى بالاعتماد على الذات رغم ظروف الحرب والمواجهة مع قوى الاستعمار ودعم حركات التحرر العربي والإفريقي وخاصة ثورة الجزائر حتى تحقق التحرير

وأيضا أسهم عبد الناصر في إنشاء منظمة عدم الانحياز في وقت مبكر من حكمه فكانت تمثل الحياد الإيجابي لدول العالم الثالث حيث جمع المؤتمر عددا كبيرا من دول العالم الصاعدة والنامية وشكلت ثقلا مؤثرا على مساحة دولية شاسعة 

ورفض عبد الناصر كل إغراءات التسوية الأحادية مع إسرائيل بما في ذلك العرض الأميركي الإسرائيلي بالانسحاب الكامل من كل سيناء مقابل عدم تدخّل مصر في الجبهات العربية الأخرى وإنهاء الصراع بينها وبين إسرائيل و قد كان ناصر يردّد (القدس والضفة والجولان وغزة قبل سيناء) ويكرر بان لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ما لم تتحرر كل الأراضي العربية المحتلّة عام 1967 وما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة كاملة

وقد أصرَ على جميع هذه الأهداف السياسية رغم قبوله بالقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن ومبادرة روجرز حيث كان يتحرك دولياً في مختلف الاتجاهات رغم ظروف الحرب الباردة واضطراره لعلاقةٍ خاصة ومتقدمة مع موسكو ولكن بلا تفريط أو تنازلٍ عن الأهداف السياسية المرحلية التي كان ينشدها وبشكلٍ متزامنٍ مع البناء العسكري والمعارك المفتوحة على الجبهة المصرية ومع أقصى درجات التضامن العربي والدعم المفتوح لحركة المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة قتح

امتلك ناصر في شخصيته كريزماتية متميزة وقدرة ساحرة في التأثير الجماهيري العربي وقد وظف قدرته الخطابية الشعبية في توجيه الجماهير وقد أثبتت ( حادثة سفينة كليوباترا ) مدى تأثيره القوي عندما خاطب عمال الشحن في ميناء نيويورك عبر صوت العرب بالتوقف عن تفريغ سفينة كليوباترا من القطن وشحنها بالقمح عدما مورست الضغوط على مصر بسبب مواقفها العروبية مما أجبر الرئيس الأميركي أن يأمر الجيش بتفريغ وشحن السفينة 

وقد كان لمصر في تلك المرحلة دور محوري كبير على خريطة التأثير العالمي ومن المفيد هنا ان نستذكر عبد الناصر أثناء تحركه لإلقاء كلمته بالأمم المتحدة في سبتمبر ١٩٦٠ حين وقفت له جميع الوفود الدولية بالتصفيق الحار والترحيب الشديد مما كان يشعرك كعربي بالفخر وعظمة العرب بوجود هذا الزعيم العربي وعندما انسحب من الجلسة أثناء إلقاء وفد الكيان الصهيوني كلمته انسحب خلفه عدد كبير من الوفود الدولية من آسيا وإفريقيا وعددا من دول أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الحر حيث قال الرئيس الأميركي نيكسون كلمته المشهورة والمعبرة ( العالم اليوم تتحكم به ثلاث قوى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ومصر عبد الناصر )

ورغم مرور هذه السنوات العديدة إلا أن وفاة عبد الناصر لا تزال لغزا محيرا خاصة مع غياب الوثائق الرسمية التي تحدد سبب الوفاة على نحو قاطع الأمر الذي فتح المجال للشائعات التي تثار من آن لآخر وتوزيع الاتهامات في كافة الاتجاهات لدرجة وصلت إلى أقرب المقربين منه وتحديدا الرئيس الراحل محمد أنور السادات وبعض قيادات الحكم والثورة

كم نفقده اليوم في واقعنا العربي الأليم ونحن نرى امتنا غاب تأثيرها وخسرت قيادتها المحورية على المستويين الرسمي والشعبي وضاعت مشاريعها الوحدوية وسعيها للتضامن والتحرر بعدما سيطر على أرضها وشعوبها ومقدراتها وثرواتها الصهيونية والاستعمار الجديد وبرحيله حقا فقدت الأمة العربية السياج والسد المنيع الضامن لأمنها القومي المشترك

mahdimubarak@gmail.com